عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

506

اللباب في علوم الكتاب

الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة : 2 ] وروى عبد الوارث عن أبي عمرو : فتح لام الأمر من قوله : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ [ عبس : 24 ] ، وأتى بخبر « كان » الأولى على خلاف ما أتى به في الثانية فإنّه إمّا أن يكون محذوفا ، وهو الإرادة كما يقدّره البصريون أي : ما كان اللّه مريدا لتعذيبهم وانتفاء إرادة العذاب أبلغ من نفي العذاب ، وإمّا أنه أكّده باللّام على رأي الكوفيين لأنّ كينونته فيهم أبلغ من استغفارهم ، فشتّان بين وجوده عليه الصّلاة والسّلام ، وبين استغفارهم . وقوله « وأنت فيهم » حال ، وكذلك « وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » . والظّاهر أنّ الضمائر كلّها عائدة على الكفار . وقيل : الضمير في « يعذّبهم » و « معذّبهم » للكفّار ، والضمير من قوله « وهم » للمؤمنين . وقال الزمخشريّ : « وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » في موضع الحال ، ومعناه : نفي الاستغفار عنهم أي : ولو كانوا ممّن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذّبهم ، كقوله تعالى : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ [ هود : 117 ] ولكنهم لا يستغفرون ، ولا يؤمنون ولا يتوقّع ذلك منهم . وهذا المعنى الذي ذكره منقول عن قتادة ، وأبي زيد ، واختاره ابن جرير . فصل [ في ورود لفظ « في » القرآن بإزاء ستة أوجه ] قال أبو العباس المقرئ : ورد لفظ « في » في القرآن بإزاء ستّة أوجه : الأول : بمعنى « مع » كهذه الآية ، وقوله تعالى : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [ النمل : 19 ] أي : مع عبادك ، ومثله : فَادْخُلِي فِي عِبادِي [ الفجر : 29 ] . الثاني : بمعنى « على » . قال تعالى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [ طه : 71 ] أي : على جذوع النخل ، ومثله : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ . أي : عليه . الثالث : بمعنى « إلى » قال تعالى أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [ النساء : 97 ] أي : إليها . الرابع : بمعنى « عن » قال تعالى وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى [ الإسراء : 72 ] أي : عن هذه الآيات . الخامس : بمعنى « من » قال تعالى : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ [ النحل : 89 ] أي : من كل أمة « شهيدا » . السادس : بمعنى « عند » قال تعالى كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا [ هود : 62 ] . فصل [ في اختلافهم في معنى هذه الآية ] اختلفوا في معنى هذه الآية : فقال محمد بن إسحاق : هذا حكاية عن المشركين ، وهذه الآية متصلة بالآية التي قبلها ، وذلك أنّهم كانوا يقولون إنّ اللّه لا يعذبنا ونحن